لكل شيئ أصل .. وخاصة القصص والآساطير التى تتناقلها الأجيال عبر بعضها .
وبالطبع لقصة نشأة الخلق أصل ، و أصولها تقع فى بلاد الرافدين منذ حوالى 3000 سنه ق.م ومنها تظهر القصص البابلية ، و القصص الآشورية ومن ثم تستنسخ قصة الخلق فى التوراة من أساطير الآولين وتظهر القصة فى القرآن أكثر تطوراً مع عدم إختلافها فى الآصل .
- جذور إقتباس قصة الخلق والتكوين
أول وثيقة لقصة الخلق والتكوين وصلتنا من بلاد الرافدين تعود لحوالي 3000 سنة ق.م ،وملخصها هو : في البدء كانت الإلهة ( نمو ) لوحدها ، وهي المياه الأولى
التي إنبثق منها كل شيء ، ثم أنجبت ولداً ذكراً ( آن ) إله السماء ، وأنثى
( كي ) آلِهة الأرض ، وكانا ملتصقين ببعضهما وغير منفصلين عن أمهما نمو ،
وحدث آن تزوج ( أن ) من أخته ( كي ) وأنجبا إله الهواء ( أنليل ) والذي
بقوته الجسدية حرر إلتصاق أمه وأبوه عن بعضهما فصار ابوه السماء وأمه صارت
الأرض ، ثم أنجب أنليل ( نانا ) إله القمر ، والذي بدوره أنجب ( أوتو )
إله الشمس ، ... الخ .
ثم تبعتها
قصص بابلية مُقتبسة منها في حوالي 2000 ق.م ، كان آخرها وأضبطها
ملحمة الخلق البابلية المسماة ( إينوما إيليش – عندما في الأعالي ) ،
وتُمثل الشكل النهائي لتلك الملحمة .
الإختلاف في كل تلك القصص كان جزئيا جداً لا يتعدى كونهِ إختلافاً في
تسمية الآلِهة مع تغير بعض التفاصيل الهامشية ، وهي إختلافات حتمتها سلطة
وقوة المتغيرات السياسية والحربية والإجتماعية للمدن والدول والحكام ،
وكمثال : نجد أن الإله ( أنليل ) وهو الإله الخالق عند الأقوام السومرية ،
يأخذُ إسم الإله ( مردوخ ) عند البابليين بعد أن إقتبسوا الفكرة من
السومريين ، كذلك نُلاحظ تغيير الإله ( أنكي ) بالإله ( أيا ) .
كذلك نُلاحظ أن
الآشوريين وبعد أن إقتبسوا قصة الخلق ( إينوما إيليش ) من
البابليين يقومون عمداً على كشط إسم الإله ( مردوخ ) عن الكثير من الرُقم
الطينية التي كانت من ضمن غنائم الحروب العديدة بين هذين الشعبين ، [
ويعيدون نسخ بعضها الآخر ويضعون إسم إلههم ( آشور ) بدلاً من الإله
البابلي ( مردوخ ) ، مع إعطائهِ كل صفات الإله مردوخ !!، لكن عملهم لم يكن
مُتقناً ، فقد بقي في هذه الكتابة ما ينم عن وجود مردوخ ] .
تُحدِثنا ملحمة ( الأينوما إيليش – عندما في الأعالي ) عن انه لم يكن
موجوداً في بداية الزمن إلا الماء الأزلي الشاسع ، إختلط فيهِ الماء العذب ( إبسو ) بالماء المالح (
تيامات ) !.
ومن تلك الفوضى الرهيبة خُلقت أوائل الآلهة ، ومع مرور الوقت قرر بعضها
تنظيم العالم ، فأدى ذلك إلى غضب الإله ( إبسو ) وزجتهِ ( تيامات ) ربة
ورمز الفوضى العظيمة ، وكانت اُنثى شريرة ومُشاغبة وعلى شكل تنين لهُ سبعة
رؤوس .
وتقول بقية الأسطورة أنه إتحد المتمردون تحتَ راية وقيادة الإله الحكيم (
إيا ) وقتلوا الإله ( إسبسو ) ، فقررت الإلهة ( تيامات ) الإنتقام لمقتل
زوجها . وتقع معركة دموية رهيبة إنتصرت فيها آلِهة النظام تحت قيادة الإله
( مردوخ ) الذي قتل ( تيامات ) وخلص العاَلم من شرورها وأذاها ، وشطر
جسدها المائي شطرين (( كما تُفلقُ الصدفة ))، وصنع منهما السماء والأرض ،
ثم يتم خلق النبات والحيوان والشمس والقمر وإلإنسان والحياة ... الخ .
أما قصة الخلق التوراتية
فتقول لنا - مُختصر - : أن الرب العبراني بعد أن
قضى على فوضى الماء ( الغمر المائي ) الذي كان أول موجودات الوجود كمحيط
أزلي مظلم صَوَرَتهُ التوراة كوحش خرافي عظيم أسمتهُ ( الواياثان ) ، وهو
التنين ذو الرؤوس المتعددة ، والذي يقوم رب التوراة بشقه نصفين ليصنع
منهما السماء والأرض !. وقد إستمرت عملية الخلق هذه ستة ايام إستراح بعدها
الرب من عناء عملهِ في اليوم السابع وجلس على العرش ! .
في سفر التكوين نقرأ كذلك : (( وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر
ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه ، وقال الله : ليكن جلد في وسط
المياه ، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه ، فعمل الله الجلد ، وفصل بين
المياه التي تحت الجلد والتي فوق الجلد ، وكان كذلك ، ودعا الله الجلد
سماء ... الخ )) .
في القرآن نجد سورة هود آية 6 : (( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة
أيام ، وكان عرشه على الماء )) . كذلك يقول القرآن : (( أولم ير الذين
كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما )) .
م
ن خلال كل ما تقدم نعرف بأن التوراة – وهي اُم الديانات التوحيدية – قد
بنت أولى أفكارها حول الخلق والتكوين على أساطير
سومر وبابل وبالذات على
ملحمة الخلق ( إينوما إيليش – عندما في الأعالي ) !!!
– جذور إقتباس فكرة خلق الإنسان من التراب
الكثير من أساطير الشعوب تحوي قصصاً مُتشابهة لخلق الإنسان، منها
البابلية بواسطة الإله ( مردوخ ) ، المصرية بواسطة الإله ( خنوم ) ،
الإغريقية بواسطة الإله ( برو ميثيوس ) ، العبرانية اليهودية بواسطة الإله
( يهوة أو إيلوهيم ) ، وغيرها الكثير من القصص والأساطير لأقوام وشعوب
العالم .
وكل هذه الأساطير مصدرها واحد :
سومري رافدي ، والأصل موجود في مقطع من الأسطورة السومرية ، حيث يقول الإله ( أنكي ) لأمهِ ( نمو ) :
إمزجي لب الطين بمياه الأعماق وسيقوم الُناع الإلهيون المَهرَة ، بتكثيف الطين وعجنهِ وقومي أنتِ يا أُماه ، ببناءِ الأعضاء والجوارح
وستعملُ معكِ ننماخ – الآلِهة الأم – يداً بيد وستقف جنبك لمساعدتك أثناء التكوين ، كل ربات الولادة ولسوفَ تختارين للمولود الجديد يا اُماه ، مصيره وستُعَلِقُ ننماخ عليهِ شكل وصورة الآلِهة .. إنه الإنسان
ونرى بأن هذا المقطع من الأسطورة يقول لنا بأن الإنسان صُنع من التراب (
الطين ) ، وعلى هيئة وصورة الآلِهة ، وأن مصائر البشر مُقدرة ومكتوبة منذ
لحظة خلقهِ ، وهو إقتباس آخر كان يسميهِ السومريون
( الواح القدر ) ، وفي
لغاتنا العربية يُعرف ب ( المكتوب على الجبين تشوفو العين ) ، و( القسمة
والنصيب ) ( والمُقدر والمكتوب ) ، وغيرهما الكثير .
وقصة خلق الإنسان السومرية تبدأ من مشكلة
إجتماعية حدثت بين فئتين من مجمع الآلِهة : ( الأناناكي ) وهم رؤساء
الآلِهة ، و(الإيكيكي ) وهم آلِهة من الدرجة الثانية أقل منزلةً وشأناً ،
وكانوا يُمثلون الشغيلة المُسخرين للعمل المُرهِق جداً لخدمة الآلِهة
الكبار الأناناكي .
ويحدث أن كثرة العمل والضغط يُولد ضغوط تؤدي لثورة الإيكيكي الذين يُضربون
عن العمل ويقومون بإحراق وتدمير أدوات العمل وعدتهِ ، ويذهبون ليحتجوا على
سوء وبؤس أوضاعهم عند كبير الآلِهة ( إنليل ) ، ويبدو أنه كان يقوم بدور
المهندس أو المشرف ،
والمفهوم من سياق أحداث الأسطورة أن إضراباً كهذا سيؤدي إلى مجاعة وشقاء
ودمار !!، فالآلِهة الكبيرة لا تعمل حتى لو جاعت ، يعني نوع من ( تنابلة
السلطان ) !!، ولهذا نراهم يعقدون إجتماعاً طارئاً لمجمع الآلِهة ، وعلى
رأسهم الإله ( أنو ) والإله ( أيا ) وهو الإله الصاحي الذكي الدقيق
والمُبتكر ( هذه صفاته ) ، والذي يقترح خلق بديل للآلِهة الصغار (
الإيكيكي ) ، ولكن بشروط منها : أن يكون البديل الإنساني موهوباً وحاذقاً
وذكياً كما هي الآلِهة ، ويُشترط على البديل أيضاً عدم الإعتراض والتذمر
والإضراب ، لأن ذلك سيُعرض عالَم الآلِهة الكبار والصغار للخطر ، والشرط
الثالث أن يُعطى هذا البديل حياة قصيرة ولا ينال الخلود المُخصص فقط
للآلِهة !!!.
وأعتقد هذه الشروط التعسفية لا زالت مفروضة على البشر لحد اليوم . وكلنا
يعرف إنها من صنع الكهنة المستفيدين دائماً وأبداً عبر كل العصور .
ولا يفوتنا في قصة خلق الإنسان هذه أن مجمع الآلِهة قام بقتل إله قاصر (
أويل – إله العقل ) ومزجوا دمه مع الطين لإعطاء المخلوق الجديد ميزة العقل
التي ستساعدهُ في القيام بأعمالهِ اليومية !!.
ونرى أيضاً أن واحدة من أسباب خلق الإنسان هي لـ
عبادة تلك الآلِهة ، وحتى
هذه الفكرة تم إقتباسها ، وتأتي على لسان النبي محمد : (( وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون )) ، ومنها نفهم الإصرار الإسلامي على أن الفكرة
الأساسية لخلق البشر هي لعبادة الله ، وكل ما عدى ذلك أمورٌ تافهة وثانوية
.
وفي التوراة : (( .... ذكراً وأنثى خلقهم ، وباركهم الله ، وقال لهم :
إثمروا وإكثروا وإملأوا الأرض )) ، ومن هذه الفقرة التوراتية إقتبس النبي
محمد كلامه : (( تناكحوا تناسلوا تكاثروا إني مباهٍ بكم الأمم في يومِ
القيامة )) !!،
وكما في الأسطورة السومرية إقتبست الأديان التوحيدية فكرة مُطالبة الإنسان
المسكين أن يكون عبداً حقيراً ذليلاً للخالق
الكاتب: الحكيم البابلي - مع تصرف