الجمعة، 4 مايو 2012

جذور قصص الخلق والتكوين


 لكل شيئ أصل .. وخاصة القصص والآساطير التى تتناقلها الأجيال عبر بعضها .
وبالطبع لقصة نشأة الخلق أصل ، و أصولها تقع فى بلاد الرافدين منذ حوالى 3000 سنه ق.م ومنها تظهر القصص البابلية ، و  القصص الآشورية ومن ثم تستنسخ قصة الخلق فى التوراة من أساطير الآولين وتظهر القصة فى القرآن أكثر تطوراً مع عدم إختلافها فى الآصل .

- جذور إقتباس قصة الخلق والتكوين
أول وثيقة لقصة الخلق والتكوين وصلتنا من بلاد الرافدين تعود لحوالي 3000 سنة ق.م ،وملخصها هو :  في البدء كانت الإلهة ( نمو ) لوحدها ، وهي المياه الأولى التي إنبثق منها كل شيء ، ثم أنجبت ولداً ذكراً ( آن ) إله السماء ، وأنثى ( كي ) آلِهة الأرض ، وكانا ملتصقين ببعضهما وغير منفصلين عن أمهما نمو ، وحدث آن تزوج ( أن ) من أخته ( كي ) وأنجبا إله الهواء ( أنليل ) والذي بقوته الجسدية حرر إلتصاق أمه وأبوه عن بعضهما فصار ابوه السماء وأمه صارت الأرض ، ثم أنجب أنليل ( نانا ) إله القمر ، والذي بدوره أنجب ( أوتو ) إله الشمس ، ... الخ .

ثم تبعتها قصص بابلية مُقتبسة منها في حوالي 2000 ق.م ، كان آخرها وأضبطها ملحمة الخلق البابلية المسماة ( إينوما إيليش – عندما في الأعالي ) ، وتُمثل الشكل النهائي لتلك الملحمة .
الإختلاف في كل تلك القصص كان جزئيا جداً لا يتعدى كونهِ إختلافاً في تسمية الآلِهة مع تغير بعض التفاصيل الهامشية ، وهي إختلافات حتمتها سلطة وقوة المتغيرات السياسية والحربية والإجتماعية للمدن والدول والحكام ، وكمثال : نجد أن الإله ( أنليل ) وهو الإله الخالق عند الأقوام السومرية ، يأخذُ إسم الإله ( مردوخ ) عند البابليين بعد أن إقتبسوا الفكرة من السومريين ، كذلك نُلاحظ تغيير الإله ( أنكي ) بالإله ( أيا ) .

كذلك نُلاحظ أن الآشوريين وبعد أن إقتبسوا قصة الخلق ( إينوما إيليش ) من البابليين يقومون عمداً على كشط إسم الإله ( مردوخ ) عن الكثير من الرُقم الطينية التي كانت من ضمن غنائم الحروب العديدة بين هذين الشعبين ، [ ويعيدون نسخ بعضها الآخر ويضعون إسم إلههم ( آشور ) بدلاً من الإله البابلي ( مردوخ ) ، مع إعطائهِ كل صفات الإله مردوخ !!، لكن عملهم لم يكن مُتقناً ، فقد بقي في هذه الكتابة ما ينم عن وجود مردوخ ] .

 تُحدِثنا ملحمة ( الأينوما إيليش – عندما في الأعالي ) عن انه لم يكن موجوداً في بداية الزمن إلا الماء الأزلي الشاسع ،  إختلط فيهِ الماء العذب ( إبسو ) بالماء المالح ( تيامات ) !.
ومن تلك الفوضى الرهيبة خُلقت أوائل الآلهة ، ومع مرور الوقت قرر بعضها تنظيم العالم ، فأدى ذلك إلى غضب الإله ( إبسو ) وزجتهِ ( تيامات ) ربة ورمز الفوضى العظيمة ، وكانت اُنثى شريرة ومُشاغبة وعلى شكل تنين لهُ سبعة رؤوس .
وتقول بقية الأسطورة أنه إتحد المتمردون تحتَ راية وقيادة الإله الحكيم ( إيا ) وقتلوا الإله ( إسبسو ) ، فقررت الإلهة ( تيامات ) الإنتقام لمقتل زوجها . وتقع معركة دموية رهيبة إنتصرت فيها آلِهة النظام تحت قيادة الإله ( مردوخ ) الذي قتل ( تيامات ) وخلص العاَلم من شرورها وأذاها ، وشطر جسدها المائي شطرين (( كما تُفلقُ الصدفة ))، وصنع منهما السماء والأرض ، ثم يتم خلق النبات والحيوان والشمس والقمر وإلإنسان والحياة ... الخ .

أما قصة الخلق التوراتية  
فتقول لنا - مُختصر - : أن الرب العبراني بعد أن قضى على فوضى الماء ( الغمر المائي ) الذي كان أول موجودات الوجود كمحيط أزلي مظلم صَوَرَتهُ التوراة كوحش خرافي عظيم أسمتهُ ( الواياثان ) ، وهو التنين ذو الرؤوس المتعددة ، والذي يقوم رب التوراة بشقه نصفين ليصنع منهما السماء والأرض !. وقد إستمرت عملية الخلق هذه ستة ايام إستراح بعدها الرب من عناء عملهِ في اليوم السابع وجلس على العرش ! .
في سفر التكوين نقرأ كذلك : (( وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه ، وقال الله : ليكن جلد في وسط المياه ، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه ، فعمل الله الجلد ، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والتي فوق الجلد ، وكان كذلك ، ودعا الله الجلد سماء ... الخ )) .

في القرآن نجد سورة هود آية 6 : (( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه على الماء )) . كذلك يقول القرآن : (( أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما )) .

من خلال كل ما تقدم نعرف بأن التوراة – وهي اُم الديانات التوحيدية – قد بنت أولى أفكارها حول الخلق والتكوين على أساطير 
سومر وبابل وبالذات على ملحمة الخلق ( إينوما إيليش – عندما في الأعالي ) !!!
 – جذور إقتباس فكرة خلق الإنسان من التراب
الكثير من أساطير الشعوب تحوي قصصاً مُتشابهة لخلق الإنسان، منها البابلية بواسطة الإله ( مردوخ ) ، المصرية بواسطة الإله ( خنوم ) ، الإغريقية بواسطة الإله ( برو ميثيوس ) ، العبرانية اليهودية بواسطة الإله ( يهوة أو إيلوهيم ) ، وغيرها الكثير من القصص والأساطير لأقوام وشعوب العالم .
وكل هذه الأساطير مصدرها واحد : سومري رافدي ، والأصل موجود في مقطع من الأسطورة السومرية ، حيث يقول الإله ( أنكي ) لأمهِ ( نمو ) :
إمزجي لب الطين بمياه الأعماق وسيقوم الُناع الإلهيون المَهرَة ، بتكثيف الطين وعجنهِ وقومي أنتِ يا أُماه ، ببناءِ الأعضاء والجوارح
وستعملُ معكِ ننماخ – الآلِهة الأم – يداً بيد وستقف جنبك لمساعدتك أثناء التكوين ، كل ربات الولادة ولسوفَ تختارين للمولود الجديد يا اُماه ، مصيره وستُعَلِقُ ننماخ عليهِ شكل وصورة الآلِهة .. إنه الإنسان

 ونرى بأن هذا المقطع من الأسطورة يقول لنا بأن الإنسان صُنع من التراب ( الطين ) ، وعلى هيئة وصورة الآلِهة ، وأن مصائر البشر مُقدرة ومكتوبة منذ لحظة خلقهِ ، وهو إقتباس آخر كان يسميهِ السومريون ( الواح القدر ) ، وفي لغاتنا العربية يُعرف ب ( المكتوب على الجبين تشوفو العين ) ، و( القسمة والنصيب ) ( والمُقدر والمكتوب ) ، وغيرهما الكثير .

  وقصة خلق الإنسان السومرية تبدأ من
مشكلة إجتماعية حدثت بين فئتين من مجمع الآلِهة : ( الأناناكي ) وهم رؤساء الآلِهة ، و(الإيكيكي ) وهم آلِهة من الدرجة الثانية أقل منزلةً وشأناً ، وكانوا يُمثلون الشغيلة المُسخرين للعمل المُرهِق جداً لخدمة الآلِهة الكبار الأناناكي .
ويحدث أن كثرة العمل والضغط يُولد ضغوط تؤدي لثورة الإيكيكي الذين يُضربون عن العمل ويقومون بإحراق وتدمير أدوات العمل وعدتهِ ، ويذهبون ليحتجوا على سوء وبؤس أوضاعهم عند كبير الآلِهة ( إنليل ) ، ويبدو أنه كان يقوم بدور المهندس أو المشرف ،

 والمفهوم من سياق أحداث الأسطورة أن إضراباً كهذا سيؤدي إلى مجاعة وشقاء ودمار !!، فالآلِهة الكبيرة لا تعمل حتى لو جاعت ، يعني نوع من ( تنابلة السلطان ) !!، ولهذا نراهم يعقدون إجتماعاً طارئاً لمجمع الآلِهة ، وعلى رأسهم الإله ( أنو ) والإله ( أيا ) وهو الإله الصاحي الذكي الدقيق والمُبتكر ( هذه صفاته ) ، والذي يقترح خلق بديل للآلِهة الصغار ( الإيكيكي ) ، ولكن بشروط منها : أن يكون البديل الإنساني موهوباً وحاذقاً وذكياً كما هي الآلِهة ، ويُشترط على البديل أيضاً عدم الإعتراض والتذمر والإضراب ، لأن ذلك سيُعرض عالَم الآلِهة الكبار والصغار للخطر ، والشرط الثالث أن يُعطى هذا البديل حياة قصيرة ولا ينال الخلود المُخصص فقط للآلِهة !!!.
وأعتقد هذه الشروط التعسفية لا زالت مفروضة على البشر لحد اليوم . وكلنا يعرف إنها من صنع الكهنة المستفيدين دائماً وأبداً عبر كل العصور .
ولا يفوتنا في قصة خلق الإنسان هذه أن مجمع الآلِهة قام بقتل إله قاصر ( أويل – إله العقل ) ومزجوا دمه مع الطين لإعطاء المخلوق الجديد ميزة العقل التي ستساعدهُ في القيام بأعمالهِ اليومية !!.

ونرى أيضاً أن واحدة من أسباب خلق الإنسان هي لـعبادة تلك الآلِهة ، وحتى هذه الفكرة تم إقتباسها ، وتأتي على لسان النبي محمد : (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) ، ومنها نفهم الإصرار الإسلامي على أن الفكرة الأساسية لخلق البشر هي لعبادة الله ، وكل ما عدى ذلك أمورٌ تافهة وثانوية .

وفي التوراة : (( .... ذكراً وأنثى خلقهم ، وباركهم الله ، وقال لهم : إثمروا وإكثروا وإملأوا الأرض )) ، ومن هذه الفقرة التوراتية إقتبس النبي محمد كلامه : (( تناكحوا تناسلوا تكاثروا إني مباهٍ بكم الأمم في يومِ القيامة )) !!،

 وكما في الأسطورة السومرية إقتبست الأديان التوحيدية فكرة مُطالبة الإنسان المسكين أن يكون عبداً حقيراً ذليلاً للخالق
 
الكاتب: الحكيم البابلي - مع تصرف

إرسال تعليق

Translate

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة